الشيخ السبحاني

157

مفاهيم القرآن

السعة والضيق ، والكبر والصغر « بقدرها » أيكلّ يأخذ بقدره ، ففيضه سبحانه عام لا يحدد وإنّما التحديد في الآخذ ، فكل‌ّيأخذ بقدره وحده ، فقدر النبات يختلف عن قدر الحيوان وهو عن الإنسان ، فكل‌ّما يفاض عليه الوجود إنّما هو بقدر قابليته ، كما أنّ السيل المنحدر من أعالي الجبال مطلق غير محدد ، ولكن يستوعب كل وادٍ من ماء السيل بقدر قابليته وظرفيته . « فَاحْتَمَل السَّيْلُ زَبداً رابِياً » أيطافياً عالياً فوق الماء . إلى هنا تمت الإشارة إلى التمثيل الأوّل . ثمّ إنّ الزبد لا ينحصر بالسيل الجارف بل يوجد طافياً على سطح أنواع الفلزات والمعادن المذابة التي تصاغ منها الحلي للزينة والأمتعة ، كما قال سبحانه « ومِمّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله » . إلى هنا تمت الإشارة إلى التمثيل الثاني ، كما قال : « كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحق‌ّوَالباطل » أيكذلك يوصف الحقّ والباطل ليأخذ طريقه بين الناس ، ثمّ أشار إلى التمثيل الثالث وهو انّ من سمات الحق بقاءه وانتفاع الناس به « فَأمّا الزبد فيذهب جفاءً » حيث إنّ زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه ينطفئ بعد مدة قصيرة كأن لم يكن شيئاً مذكوراً فيذهب جفاءً باطلًا متلاشياً . « وَأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض » فانّ الماء الخالص أو المعادن الخالصة التي فيها انتفاع الناس يمكث في الأرض . ثم‌ّإنّه سبحانه ختم الآية بقوله : « كَذلِكَ يَضْرِب‌ُاللَّهُ الأَمْثال » وقد مرّ في المقدمات معنى ضرب المثل ، وقلنا انّ المراد هو وصف حال المشبه وبيانه . هذا ما يرجع إلى تفسير ظاهر الآية ، لكن الآية من غرر الآيات القرآنية التي